ترى نسرين مالك، كاتبة العمود في صحيفة «الجارديان»، أن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام عكست عالمًا مضطربًا يعيش أزمات متلاحقة، في ظل تآكل بنية القانون الدولي والمنظومة الدولية، وتصاعد الاحتياجات الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة. وما جرى في نيويورك لم يكن اجتماعًا يبحث عن حلول أو يسعى إلى إظهار قدر من الحزم، بقدر ما كشف عن استعراض سياسي وإحباط وانقسامات حادة.


ونقلت مالك في مقال نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية أن الجمعية العامة بدت وكأنها تقدم صورة مكثفة لأربعة صراعات كبرى تعصف بالعالم، هي أوكرانيا وإيران وفلسطين والسودان، من دون أن تبدو في الأفق وسائل واضحة، أو حتى إرادة سياسية حقيقية، لإنهائها.

 


الجمعية العامة للأمم المتحدة.. صراعات بلا حلول


لا تثير اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عادةً اهتمامًا كبيرًا، لكن اجتماع هذا العام اختزل عالمًا يعيش حالة من التحول والأزمات، في وقت تتداعى فيه منظومة القانون الدولي وهيكل المؤسسات الدولية، بينما تعمل آلية الاستجابة الإنسانية بأقصى طاقتها. ولم يشهد الاجتماع بحثًا جادًا عن تسويات أو إظهارًا للعزم بقدر ما شهد استعراضًا سياسيًا وإحباطًا وصدامات متزايدة.


وسجل الاجتماع لحظة تصلح لأن تدخل كتب التاريخ، بعدما عكس واقع أربعة صراعات كبرى ومزعزعة للاستقرار لا تبدو لها سبل واضحة للتسوية، أو لا تحظى باهتمام كافٍ لتحقيقها.


واستعرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كلمته حصيلة خمسة أعوام من الحرب الروسية، متحدثًا عن الخسائر البشرية الهائلة التي أودت بحياة مئات الآلاف من الجانبين، وعن الثغرات التي تحيط بالعقوبات المفروضة على روسيا، وعن «جنون» المشهد برمته.


وجدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديده بـ«إبادة» إيران إذا لم توافق على اتفاق، وهو تهديد تكرر مرات عديدة إلى حد جعل إعادة طرحه تكشف، بحسب الكاتبة، عن فراغه من التأثير. ورد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في كلمته، قائلًا إن إيران ضحية للإرهاب والعدوان الأمريكيين، وإنها ستدافع عن نفسها «بأقصى قوة». وغادر ممثل الوفد الأمريكي الوحيد الموجود داخل القاعة.


وفي خضم هذا الخطاب العدائي الصريح، طغت الرغبة في فرض النفوذ على الدعوات إلى العودة إلى الحقائق. وقال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إن شعور الحكومة الإسرائيلية بالإفلات من العقاب «بلغ مستويات مخيفة»، مضيفًا أنها لم تعد تشعر بالحاجة إلى أن تسأل: «هل يمكننا الإفلات بفعلتنا؟»، لأنها تعرف الإجابة بالفعل.


وأضاف: «إذا أمكن تجاهل القانون الدولي لعقود، فما قيمة هذا القانون أصلًا؟». وكأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أراد أن يقدم إجابة عن السؤال، إذ أصبح القائد الوحيد المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية الذي ألقى كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وجاء خطابه، بحسب مالك، صداميًا على نحو متوقع. وكأن الرسالة كانت: لا قيمة لهذا القانون.

 


السودان والقانون الدولي.. حين تتداخل المصالح والنفوذ


وفي مشهد آخر يعكس أزمة القانون الدولي، شهدت الجمعية العامة ما تصفه الكاتبة بالمفارقة المتعلقة بدولة الإمارات، التي تعد طرفًا رئيسيًا في حرب السودان، وهي تتحدث عن استحقاق الشعب السوداني للسلام والحكم المدني، بينما توجه اتهامات إلى قادتها بتسليح وتمويل قوات الدعم السريع، التي تواجه بدورها اتهامات بارتكاب إبادة جماعية وتطهير عرقي.


وتشير مالك إلى أن الإمارات، وهي حليف وثيق للولايات المتحدة والمملكة المتحدة، أسهمت في تحويل الحرب السودانية إلى صراع كارثي، من دون أن تواجه، بحسب وصفها، إدانة أو حتى اعترافًا واضحًا من حلفائها بالدور المنسوب إليها.


وتلفت الكاتبة إلى استثمار بقيمة 500 مليون دولار في مشروع للعملات المشفرة المرتبط بعائلة ترامب، إلى جانب شراكات بريطانية تبلغ قيمتها مليارات الجنيهات، وترى أن هذه المصالح تبدو وكأنها أسهمت في التأثير على مواقف الدولتين. وتقول إن الصمت الذي اشترته هذه المصالح يُحافظ عليه بدرجة كبيرة، إلى حد أن كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون الإفريقية والعربية أقر بوجود مصالح أجنبية، لكنه امتنع عن ذكر الدول المعنية.


ولم تقتصر اختلالات المشهد على المواقف السياسية، بل امتدت إلى الإجراءات نفسها. فقد استخدمت إدارة ترامب صلاحيتها السيادية في تحديد من يستطيع دخول الولايات المتحدة ومن يُمنع منها، عبر ما تصفه مالك بتسليح نظام التأشيرات وتحويله إلى أداة نفوذ.


وأدى ذلك، بحسب الكاتبة، إلى جعل الأمم المتحدة، التي تستضيفها الأراضي الأمريكية، تبدو أقل حيادًا وأكثر عرضة للاستخدام بما يخدم مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.


ورفضت السلطات الأمريكية منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إلى جانب 80 مسؤولًا فلسطينيًا آخرين، تأشيرات لحضور الاجتماع، وذلك للمرة الثانية خلال ولاية ترامب. كما رُفضت تأشيرة رئيس الحكومة السودانية والقوات المسلحة السودانية، الخصم الرئيسي لقوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا، وهو ما تعتبره مالك مؤشرًا محتملًا على نجاح تحركات إماراتية داخل واشنطن.


وتعكس هذه الديناميات، بحسب الكاتبة، الطريقة التي تُدار بها السياسة الخارجية والصراعات في الوقت الراهن، عبر محاولات مستمرة لاستغلال النظام وتوجيهه بما يعزز طرفًا على حساب آخر، ويؤدي إلى نتائج تخدم القوى الإقليمية والدولية.

 


الحروب الحديثة والذكاء الاصطناعي.. صراعات بلا نهاية واضحة


وسط هذا الانهيار، برز توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، متنقلًا بحيوية بين الاجتماعات، ومحافظًا على قدر من التفاؤل العملي. ونشر سلسلة متلاحقة من المقاطع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تحدث فيها عن الإجراءات الممكنة وسط الأزمات، في مشهد يشبه، بحسب مالك، ميمًا دبلوماسيًا يقول: «لا بأس، كل شيء على ما يرام».


وفي أحد المقاطع، ظهر فليتشر خلال جولة سير مع ألكسندر دي كرو، مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي تحدث عن مشكلة «تراكم الأزمات فوق بعضها البعض». ورد فليتشر بأن الدبلوماسية تشكل جزءًا أساسيًا من الحل في كثير مما تقوم به المنظمة، مشيرًا إلى ضرورة فتح نقاط الاختناق، مثل باب المندب والبحر الأسود ومضيق هرمز، وإلا فإن أعباء التنمية والاستجابة الإنسانية ستتضخم بصورة أكبر.


ويمثل فليتشر، بحسب مالك، نموذجًا جديدًا للعاملين في المجالين الدولي والإنساني، إذ يحاولون التعامل مع خفض التمويل، وتراجع الاهتمام بالسلام، والتقليص السياسي للمساعدات الدولية، بهدف الإبقاء على قدر من تدفق الأموال إلى ملايين الأشخاص الذين يعانون ويلات الحرب وأزمات المناخ والأمراض والفقر والجوع والاستغلال.


وتقول الكاتبة إن الحروب ستستمر، وإن الاستراتيجية الحالية باتت تعتمد على التفاوض مع القوى المتصارعة لفتح نقاط الاختناق وإزالة العوائق أمام وصول الإمدادات والمساعدات، بدءًا من المساعدات الشتوية في غزة ووصولًا إلى احتواء تفشي فيروس إيبولا.


لكن المشهد الحالي لا يتعلق فقط بدبلوماسيين مخلصين وقوى متحاربة ساخرة وغير مسؤولة، إذ تبرز مشكلة أكثر تعقيدًا تتمثل في التغير السريع لطبيعة الصراع العسكري نفسه.


فقد أصبحت الحروب أقل قابلية للاحتواء بدرجة كبيرة مع انتشار الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة وتطور تقنياتهما وانخفاض تكلفتهما. وتُدار الصراعات بصورة متزايدة عن بُعد، وتتأرجح بين هجمات عالية الكثافة وأخرى منخفضة المستوى، بما يجعل بدايات الحروب ونهاياتها أقل وضوحًا وحسمًا.


وباتت هذه الصراعات أكثر ميلًا إلى تعليق الحياة الطبيعية بدلًا من الوصول إلى لحظة حاسمة، عبر استخدام طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة يمكن التضحية بها، كتلك التي أبقت منطقة الخليج رهينة لرد إيران على الهجمات الأمريكية، وحولت حرب السودان إلى صراع بلا جبهة واضحة، وجعلت «وقف إطلاق النار» في غزة أقرب إلى هجوم منخفض الوتيرة.


وعكست اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2026 أوجهًا متعددة من تدهور القانون الدولي، وهشاشة النظام الذي خلفه، وتسارع تراجع مفهوم المجتمع الدولي، إلى جانب أهمية مواصلة الجهود للوصول إلى ضحايا الحروب وتقديم المساعدة إليهم.


وفي الوقت نفسه، يدخل العالم مرحلة تتعلم فيها الأطراف المتحاربة التعامل مع طبيعة جديدة من الحروب غير المتكافئة، ومع واقع سياسي يصعب فيه الوصول إلى حالة مستقرة.


وتكثر التساؤلات بشأن ما سيأتي بعد ذلك: هل يتشكل توازن جديد بين القوى المتوسطة؟ هل تنفصل بعض القوى عن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي؟ أم يدخل العالم في حالة من الفوضى المطلقة؟


يميل البشر إلى التفكير في سيناريوهات واضحة ومحددة، لكن ما شهدته نيويورك الأسبوع الماضي قد يشير إلى مسار مختلف: حالة فوضوية وممتدة من التوتر المستمر، تحت قيادة مسؤولين يتصرفون بلا اكتراث وهم يدركون حجم ما يمكنهم الإفلات به، من دون خطة واضحة للخروج، بينما لا يجد باقي النظام الدولي خيارًا سوى التعامل معهم وحولهم، في محاولة لتخفيف آثار قراراتهم.


أما النظام العالمي الجديد، فتصفه نسرين مالك بأنه نظام يقوم على «الاستسلام النشط».

 

https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/oct/01/war-power-games-impunity-un-general-assembly-ukraine-iran-palestine-sudan